جلال الدين السيوطي
136
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
تمام ، فإذا أتيته فقل له : ما معنى قول أبي تمام : أآلفة النحيب كم افتراق * أظلّ فكان داعية اجتماع قال أبو الحسن ، فلما صرت إلى أبي العباس المبرّد ، سألته عنه ، فقال : معنى هذا أنّ المتحابين والمتعاشقين قد يتصارمان ويتهاجران دلالا ، لا عزما على القطيعة ، فإذا حان الرحيل ، وأحسّا بالفراق ، تراجعا إلى الودّ وتلاقيا خوف الفراق ، وأن يطول العهد بالالتقاء بعده فيكون الفراق حينئذ سببا للاجتماع ، كما قال الآخر : متّعا بالفراق يوم الفراق * مستجيرين بالبكاء والعناق كم أسرّا هواهما حذر الناس * وكم كتما غليل اشتياق وأظلّ الفراق فالتقيا فيه * ( م ) فراق أتاهما باتفاق كيف أدعو على الفراق بحتف * وغداة الفراق كان التلاقي قال : فلما عدت إلى ثعلب في المجلس الآخر ، سألني عنه ، فأعدت عليه الجواب والأبيات ، فقال : ما أشدّ تمويهه ! ما صنع شيئا ، إنّما معنى البيت أنّ الإنسان قد يفارق محبوبه رجاء أن يغنم في سفره ، فيعود إلى محبوبه مستغنيا عن التصرّف ، فيطول اجتماعه معه ، ألا تراه يقول في البيت الثاني : وليس فرح الأوبات إلا * لموقوف على ترح الوداع وهذا قول الآخر ، بل منه أخذ أبو تمام : وأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا * وتسكب عيناي الدموع لتجمدا هذا هو ذاك بعينه . وقال الزجّاجيّ : أخبرنا نفطويه ، قال : قال ثعلب : سألني بعض أصحابنا عن قول الشاعر : جاءت به مرمّدا ما ملّا * ما فيّ آل خمّ حين ألّى فلم أدر ما أقول ، فصرت إلى ابن الأعرابيّ ، فسألته عنه ، ففسره لي ، فقال : هذا